الغزالي
127
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
من الإحسان إلينا ، فضلا عن كونه أمرنا بها ليرتّب الجزاء عليها فضلا ويجازي من ضلّ عنها عدلا . وأمّا التوكّل فهو الاعتماد على اللّه سبحانه عند الحاجة ، والاستناد إليه مع الضرورة ، والثقة به عند النازلة ، مع سكون النفس ، وطمأنينة القلب . فالمتوكّلون على ربّهم علموا أنّه المقدّر ، والأسباب تحت حكم الخالق المدبّر ، لا يركنون لآباء ولا أبناء ، ولا أموال ولا صنائع ، بل صرفوا بهديه جميع الأمور إليه ، ولم يعتمدوا في حال من الأحوال إلا عليه وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ « 1 » . وأمّا الرّضا : فهو طيب النفس بما يجري به المقدور . قال بعض العلماء : أقرب الناس إلى اللّه أرضاهم بما قسم لهم . ومن كلام الحكماء : ربّ مسرّة هي الداء ، ومرض هو الشفاء . كما قال : كم نعمة مطوية * لك بين أنياب النوائب ومسرّة قد أقبلت * من حيث ترتقب المصائب فاصبر على حدثان ده * رك فالأمور لها عواقب ولكلّ كرب فرجة * ولكلّ خالصة شوائب وحسبنا قول اللّه عزّ وجل : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ « 2 » . واعلم أنه لن يستكمل العبد طاعة ربّه إلا برفض الدنيا . وفي بعض الحكم : أبلغ المواعظ ما لم يحجبها عن القلب حاجب ، وهذه الحجب إنّما هي عوارض الدنيا . ومن كلامهم : الدنيا ساعة فاجعلها طاعة . قال أبو الوليد الباجي : إذا كنت أعلم علما يقينا * بأن جميع حياتي كساعه فلم لا أكون ضنينا بها * وأجعلها في صلاح وطاعه
--> ( 1 ) سورة الطلاق ، الآية : 3 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 216 .